أحمد بن محمد ابن عربشاه
126
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
أما والله لو كان ألف قتيل لواريته ، وكل ما كان من أمر غيره جاريته وداريته ، لا يسمع أبدا خبره ، ولا ترى عينه ولا أثره ، وأما أنتما فأفديكما بروحى وأولادي وطريفى وتلادى « 1 » ، وعندي ديار أنزه من جنان الأبرار ، وأفيح من كل دار فادخلوها بسلام آمنين ، فإنها تشرح كل قلب حزين ولو أقمتم بها سنين ما شعر بكم أحد من العالمين ، فيها أرغب نديم وأقرب خديم ، وأحسن جليس ، وأيمن أنيس ؛ فلن تملوا مقامها ، ولا تعدموا إكرامها ، فأنتم عند من لا يمل أبدا نزيله ، ولكم في ذلك الفضل والجميلة . قال التاجر : شكر الله سعيك وحفظ على أصحابك مودتك ورعيك . ثم ودعه وانصرف وقد عرف الولد من حقيقة الأمر ما عرف . ثم قال لولده : يا بنى وأعز عندي من كل شيء ، إن اتخذت الصديق فليكن صديقك على هذا الطريق ؛ وإلا فالانفراد أحسن ، والعزلة أوفق إن أمكن كما قيل : فاق حبى كلّ الملاح كمالا * هكذا هكذا وإلّا فلا لا ولقد أرشد من أنشد حيث قال هذا المقال : ما في زمانك من ترجو مودته * ولا صديق إذا جار الزمان وفي فعش فريدا ولا تركن إلى أحد * إنّى نصحتك فيما قد جرى وكفى ثم إن الملك قال لأولاده : يا ذوى الأفضال إنّ غالب أصحابي من الأمراء والرؤساء الكبراء خصوصا فلان أمير ممالك خراسان هم من هذا القبيل ، وأنا عودتهم هذا الجميل فكونوا في الحقيقة متمسكين بأسباب هذه الطريقة . فلما أكمل وصيته أولاده هيأ لسفره عتاده وذكر الله وزاده ، ثم ودعهم من دار الشرور وانتقل إلى دار الحبور والسرور ، وقد عهد إلى أكبر أولاده واستودعهم الله وهو القاهر فوق عباده ، من لا تضيع الودائع لديه ولا يخيب من توكل عليه ، فسمعوا الوصية وأطاعوا وتعلقوا بأذيال أهدابها فما ضاعوا ،
--> ( 1 ) كل غالى وعزيز .